شفافية الموازنة العامة واثرها في الحفاظ على المال العام في العلمين.
2022-11-22
النص
657

جرت في قسم القانون بمعهد العلمين للدراسات العليا، الأربعاء 16 تشرين الثاني 2022، مناقشة رسالة الماجستير الموسومة : " شفافية الموازنة العامة في قانون الإدارة المالية الاتحادية رقم (6) لسنة 2019  المعدل وأثرها في الحفاظ على المال العام" للطالبة " مثال طاهر مسلم"
بدأت الباحثة بالتأكيد على ان المال العام يشكل عصب الحياة الاقتصادية لكل الدول، وهو من الأدوات الهامة التي تعول عليها  الدولة من أجل الاستقرار والتقدم والازدهار ،كما يؤثر المال العام على مجموع القطاعات التنموية في الدولة، لذلك تسعى الدول الى ضبط حركة المال العام، والحد من ظاهرة استغلاله والتصرف فيه خلافاً للقانون من قبل القائمين عليه، سواء كانوا حكاماً أو موظفين موكلين فيه ، ومن أجل ذلك تسن القوانين والتشريعات اللازمة التي تؤمن الحماية والرقابة والحفاظ عليه .
وأشارت الباحثة الى ان قانون الموازنة العامة الاتحادية في العراق، يعّد من أهم القوانين التي تصّدرها الدولة سنوياً، كوسيلة للتخطيط والتنسيق والرقابة وترشيد استخدام المال العام ، وتأتي اهميته من توقف كافة مؤسسات الدولة ومشاريعها الخدمية عن الحياة إلاّ إذا شرّع هذا القانون، لأن تمويل المشاريع  مرتبط بإقراره ، كما إنه يمّثل أداة من أدوات السياسة المالية التي تتحدد بموجبها ايرادات الدولة وانفاقها العام، والتي تؤثر بصورة مباشرة على الحياة الاقتصادية بفعل ما يحققه من توازن أو فائض أو عجز.
ومضت الباحثة الى القول، بهدف تنظيم القواعد والإجراءات التي تحكم الإدارة المالية في مجال إعداد وتنفيذ وإقرار الموازنة العامة الاتحادية، والرقابة عليها ، وبهدف توجيه جميع الايرادات الى الخزينة العامة، والحفاظ على الأموال العامة ، فقد عمدت الدولة إلى إعادة النظر في التقاليد المعتادة لإدارة المالية العامة، وتحديث القاعدة التشريعية بما ينسجم مع متطلبات الإصلاح والتغيير الاقتصادي والمالي في العراق ، وعلى أثر ذلك فقد شرع قانون الإدارة المالية الاتحادية رقم (٦) لسنة ٢٠١٩المعدل ، ويعد القانون بمثابة انطلاقة نحو التغيير والتطوير بما جاء فيه من قواعد وأحكام وفي مقدمتها الشفافية عند تهيئة وتنفيذ بنود الموازنة العامة الإتحادية والأمور المتصلة بها، بما يضمن تحقيق الاستقرار المالي، وتعزيز تخصيص ايرادات الموازنة، ومجالات الانفاق العام، وتحسين نوعية المعلومات المقّدمة إلى مجلس النواب وإلى الجمهور. 
وتوقفت الباحثة عند موضوع الفساد الذي يمثل احد اهم التحديات التي تواجه الدولة العراقية، حيث اعتبرت الظروف والأزمات التي مرت بها الدولة العراقية، المتمثلة بظروف الحرب، والاحتلال الأمريكي، وما تسببت به من تفكك مؤسسات الدولة وتدهورها، وما أعقبه من دخول  تنظيم داعش الإرهابي إلى العراق، فضلاً عن الأزمة المالية الناتجة عن انخفاض أسعار النفط ، ولغياب فاعلية الرقابة، وتقلص وسائل المتابعة، والفوضى في السياسات المتبعة التي خلفتها الحرب، كل ذلك أدى الى توفير بيئة ملائمة لانتشار الفساد المالي والإداري في معظم  مفاصل الدولة العراقية ومؤسساتها، وقد سببّ هدراً كبيراً في المال العام، وتبدد ثروات البلاد، فضلاً عن عرقلة  تقديم الخدمات، واعتراض عمليات التنمية والتقدم والازدهار .
   ولهذه الأسباب، تقول الباحثة،  فقد وضعت الدولة العراقية ضمن أهم أولوياتها مقاومة الفساد والحد من آثاره ، وإنّ أولى خطوات الإصلاح ومقاومة الفساد تبدأ من الموازنة العامة للدولة، كونها تعد فلسفة الدولة التي تعبّر عن سياستها المالية وخططها المستقبلية ، وإن هدر المال العام في الموازنة العامة الاتحادية يعد أخطر أشكال الفساد وأشّدها تأثيراً على مالية الدولة ونظامها السياسي والاقتصادي والاجتماعي ، لذا كان لابّد من اعتماد الشفافية في عملية صنع الموازنة العامة، والرقابة على تنفيذ بنودها، من أجل وضع حد لعمليات الفساد المالي والإداري، والاتجاه صوب رفع كفاءة وفاعلية وعدالة الإنفاق العام وتحصيل الايرادات العامة .
واعتبرت ان مبدأ شفافية الموازنة العامة، نظاماً لا مركزياً يؤدي إلى كسر احتكار المعلومات وهو من المبادئ الحديثة الذي ظهر تطبيقه في العراق بعد عام ٢٠٠٣، وان المشرع العراقي حرص على إظهار أهمية هذا المبدأ ودوره في تطوير واقع الموازنة العامة، في حال التزمت به السلطات المختصة بصنع الموازنة ، إذ أفرد له فصلاً مستقلاً في قانون الإدارة المالية الاتحادية رقم (٦) لسنة ٢٠١٩المعدل، وهذه دلالة واضحة على حرصه الشديد على تطبيق هذا المبدأ والتمسك به في كافة بنود ومراحل الموازنة العامة الاتحادية ، فهي تعمل على تحقيق الانضباط المالي، والسيطرة على الإنفاق، ومعالجة الأزمات المالية المتعاقبة التي يتعرض لها العراق، كما تعزز القدرة على محاسبة الحكومة، والثقة في السياسات المالية، وتوسيع حلقة المشاركة والمساءلة القانونية عن طريق نشر المعلومات والإفصاح عنها وإتاحتها للمواطنين، وتكريس الوعي  بضرورة متابعة تنفيذ قانون الموازنة العامة، حرصاً منهم على الحفاظ على المال العام من الهدر والفساد.
وأشارت الباحثة الى انه ونتيجة لهذه الأهمية البالغة للشفافية، فقد تعددت الجهات التي تمارس مهمة الرقابة عليها، والمتمثلة في رقابة السلطات العامة، والهيئات المستقلة، فضلاً عن رقابة الجمهور، ومنظمات المجتمع المدني، ووسائل الإعلام، والتي جميعها تؤدي دوراً متميزا في تعزيز قيم الشفافية والنزاهة ، كما حُظي هذا المبدأ باهتمام المؤسسات المالية والاقتصادية الدولية، كصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، فضلاً عن المنظمات المتخصصة، وقد أسهمت جميعاً في تطويره وتعزيزه، ومن خلال المعايير الدولية المتمثلة بأفضل الممارسات والمبادرات لتطبيق شفافية الموازنة العامة، فضلا عمّا تضعه الدولة لنفسها من معايير وطنية، فإنها سوف تضع يدها على أولى خطوات تحقيق الشفافية، عند ذاك تتحقق مساهمة الشفافية في تطوير واقع الموازنة العامة،  وبالتالي تكون قادرة على سد الفجوات والثغرات التي تنفذ من خلالها عمليات الفساد، واستغلال المال العام وهدره .
واقترحت الباحثة في نهاية بحثها ضرورة التحول من موازنة البنود في إعداد الموازنة العامة الاتحادية وموازنات الوحدات والدوائر الحكومية إلى موازنة البرامج والأداء أو الموازنة الصفرية، كونهما  تستندان إلى الأسس العلمية والعملية في إعداد التقديرات وبالتالي ترشيد الإنفاق وتقليل الهدر في المال العام، وتحديد فترة زمنية لإقرار قانون الموازنة العامة الإتحادية بدل ترك الفترة مفتوحة لمجلس النواب في الاقرار مما يتيح المجال للمماطلة وبالتالي قد تخضع لمساومات سياسية تعرقل من إقرار الموازنة العامة، وطالبت المشرع الدستوري تشريع مادة دستورية صريحة تنص على الالتزام بالشفافية عند تنفيذ قانون الموازنة العامة الاتحادية، وتشريع قانون الحق في الحصول على المعلومات، وتعديل نص المادة (٩٣/أولاً ) من النظام الداخلي لمجلس النواب العراقي لعام ٢٠٠٧ التي تحدد إختصاصات اللجنة المالية، وتعديل قانون الإدارة المالية الإتحادية رقم (٦)لسنة ٢٠١٩ المعدل، وإضافة مادة الجباية الإلكترونية الى أحكامه  كونها تعزز الشفافية وتحقق تبسيط الإجراءات، وطالبت مجلس الوزراء اصدار تعليمات لتسهيل تنفيذ احكام قانون الإدارة المالية الإتحادية رقم (٦) لسنة ٢٠١٩ المعدل، والزام الحكومة بتقديم الحساب الختامي مع مشروع قانون الموازنة العامة الإتحادية.